بين الإهمال و”لغط” الآرامية والعبرية.. أهم مكوّنات التراث اللامادي السوري مهدّدة بالزوال

شام تايمز – كلير عكاوي
“إذا ما توقف المعلولي عن النطق فاسألوا الصخور فهي تحكي لكم الحكاية” جملة قالها “الياس نصر لله” مواليد 1939 لـ “شام تايمز” وهو أحد المسؤولين في معهد تعليم اللغة الآرامية والسريانية الذي تم إغلاقه سابقاً إلى أجل غير مسمّى.
“نصر لله” الذي درس ماجستير في علوم التربية انصب اهتمامه في مدينة “معلولا”، حيث قال لـ “شام تايمز”: “معلولا تستحق ذلك الاهتمام، حلمت أن أعمل كتاب عنها ليصار إلى إتمامي 7 كتب تهتم بالجانب التاريخي بعنوان “معلولا حكاية الإنسان وقدسية الأرض واللسان”، واصفاً “معلولا” بمعشوقته وأنه يعيش معها الوله إن حسن الوصف.
ولفت “نصر الله” إلى أن المعهد العالي لتعليم اللغات في جامعة دمشق مازال يعلّم اللغة الآرامية، إنّما الفرع الذي افتتحوه بـ “معلولا” كان من المتأمل منه أن يصبح مركز بحث خاص باللغة الآرامية، لكن بعض الأشخاص وقفوا بوجه المعهد واستطاعوا فعل الأذى، حيث عملوا على توقيف المعهد بشكل متعمّد، بحسب قوله.
وأضاف “نصر لله”: “اللغة الآرامية هي اللغة السورية التي انتشرت إلى جميع أنحاء العالم لتصبح لغة التداول في الثقافة والتجارة والفكر، وبهذه اللغة ترجمت الفلسفة اليونانية الإغريقية إلى اللغة السريانية ثم إلى العربية ومفرداتها غنية جداً، ولكن ما مرّت به البلاد من ظروف في الاحتلال العثماني وما بعده كانت معادية للغة الآرامية.
وتساءل “نصر لله” هل نحن نتحدّث عن شيء واحد فقط اندثر في سورية؟، هل يوجد مدرسة تحمل اسم “جوليا دومنا” مثلاً أو مركز ثقافي في سورية كلها يخصّها؟، عاتباً على الجهات المعنية بمقولة “ما عملو شي”.
وعن إغلاق معهد تعليم اللغة الآرامية في معلولا، كشف “نصر لله” عن مقال صحفي تم تداوله سابقاً بعنوان “العبرية تغزو الآرامية في معلولا”، الأمر الذي انعكس سلباً على المشروع، علماً أن اللغة العبرية هي اللغة الآرامية التي تحدّث بها يهود فلسطين “العبرانيين”، وهم من أخذوا اللغة الآرامية السورية لا العكس، فيما تحدّث تلاميذ السّيد المسيح عليه السلام اللغة الآرامية، وبدقة أكثر أفاد “نصر لله” أن اللغة الآرامية الموجودة في “معلولا” هي بقايا اللغة الآرامية الحديثة الغربية الفلسطينية المسيحية (الشرقية أخذت لهجات والغربية أخذت لهجات أخرى)، بحسب تأكيده.
وأضاف “نصر لله” نقلاً عن مدير مركز الدراسات الشرق الأوسطية في “مدريد” قوله: “على كل سوري أن يملأ صدره فخاراً بمعلولا وجبعدين وبخعة الذين ما زالو يتكلمون اللغة الآرامية”، مطالباً بالسّماح لهم بتدريس اللغة الآرامية ضمن حصة خاصة في مدارس “معلولا”، ولكن باتت مطالباتهم مع عدم الموافقة، بحسب قوله.
بدورها، الناشطة السورية “آنا مسعد” من مدينة “معلولا” أكدت لـ “شام تايمز” أن اللغة الآرامية في طريقها إلى الاندثار بسبب قلّة اهتمام الجهات المعنية، لاسيما أن هذا الإرث لا يخص جهة واحدة فقط، قائلة: “نحن نتكلم عن اللغة الأصلية لسورية”.
وأفادت “مسعد” أن كبار السن في “معلولا” هي الفئة المحافظة على اللغة الآرامية لأنهم نشأوا عليها، مشيرة إلى أن “جمعية أصدقاء معلولا” عملت سابقاً على منهاج باللغة الآرامية مع السيد “جورج رزق لله” وأصبح يدرّس بمعهد اللغات في جامعة دمشق، وتم إنشاء معهد لتدريب اللغة الآرامية في سورية، ولكن قبل الحرب على سورية تم إغلاق هذا المعهد بحجّة أنه يدرّس الحرف العبري، علماً أن اللغة العبرية استخرجت الحرف من اللغة الآرامية.
وقالت “مسعد” الأماكن الوحيدة التي مازالت تتكلم اللغة الآرامية على مستوى العالم هي “جبعدين ومعلولا وصرخة أي بخعة سابقاً”، مضيفة: “منذ 15 عام تعلّمت بالمعهد الكتابة والقراءة بالحرف الآرامي التدمري السوري وبعد إغلاق المعهد توقّفت، ولكن أكثر الكلمات التي يحفظها جيل الشباب هي الأغاني باللغة الآرامية التي ندندنها في الأعراس وجميع المناسبات منذ طفولتنا ولكن لا يكفي ذلك”.
وعن “التنسيق” بين الجهات المعنية أشارت “مسعد” أن التنسيق هو كلمة السر للحفاظ على هذا الإرث اللامادي ومعرفة أهمية اللغة الآرامية التي هي واحدة من مجموعة الأشياء التي بطريقها إلى الاندثار بسبب بعض عمليات التشوه في أقدم عاصمة مأهولة في العالم والإهمال بهذه المعرفة، بحسب تأكيدها، متسائلة: “هل أنتم تعلمون أهمية هذا الإرث الذي نملكه وأنتم تتجاهلوه عمداً؟”.

من جانبها، أكدت “سما” من أهالي معلولا لـ “شام تايمز” أنها لا تتكلم “اللغة الآرامية – السريانية” بسبب عدم تواجدها المتواصل في “معلولا”، ولكن والدتها أتقنت هذه اللغة نسبة لترعرعها فيها، مبيّنة وجود معهد سابقاً يعلّم اللغة الآرامية والسريانية بالنطق والكتابة لكن تم إغلاقه، مؤكدة أن أهالي “معلولا” حافظوا على اللغة وخصوصاً المقيمين، ولهم دور كبير في تربيتهم لأولادهم وتشجيعهم عليها، أما الذين انتقلوا إلى “دمشق” فقد تراجع اهتمامهم فيها.

بدوره، عضو لجنة التربية والتعليم في مجلس الشعب “سمير الخطيب” أكد لـ “شام تايمز” أن مشروع الإرث اللامادي لم يقر حتى الآن بل تمت مناقشة ودراسة حوالي 23 مادة منه، قائلاً: “جاءت قوانين مستعجلة ريثما ننتهي منها سنتابع نقاش المشروع”.
وأفاد “الخطيب” أن مشروع الإرث اللامادي سيهتم بالكثير من القضايا اللامادية من لباس أو معتقد أو لغة والحفاظ عليها والاهتمام بها وإعادة إنتاجها، وسيهتم أيضاً بعقوبة الأشخاص المعنيّة التي لا تعمل على تأهيلها، مشيراً إلى أن اللغة الآرامية تعتبر دلالة من الدلالات الهامة على تاريخ سورية وعراقة دمشق، وبالتالي جميع الأهداف في هذا المشروع تصب في إعادة إحياء التراث اللامادي بمختلف أشكاله وأنواعه.
ولا يمكننا التحدث عن اللغة الآرامية دون ذكر “جورج زعرور” آخر الفرسان المدافعين عن اللغة الآرامية في سورية، كما وصفته صحيفة “القدس” قائلة: “جسد نحيل، وعينان ذاويتان، وبضع مئات من الكتب التي تملأ رفوف مكتبة صغيرة، ومنزل محفور في الصخر، هي كل ما يملكه “جورج زعرور”، ابن مدينة معلولا القلمونية في ريف دمشق، لإكمال أبحاث وكتب ودراسات عن اللغة الآرامية التي تخصص بسبر خفاياها منذ أولى سنوات شبابه.
وبمساعدة عدسة صغيرة تعينه على القراءة مع تراجع حال بصره بشكل كبير، يقضي الباحث الستيني ما لا يقل عن ثماني ساعات يومياً بين المراجع والمخطوطات والأوراق التي يكتبها بنفسه، والترجمات التي يشرف على تنفيذها، مسافراً بمتعة في بحر من اللغات القديمة التي يخشى عليها من الزوال، لقلّة الاهتمام بها، بحسب ما نقلت صحيفة “القدس”.
وتعتبر اللغة الآرامية واحدة من أشهر وأعرق اللغات السّامية التي ما زالت متداولة حتى الآن، وربما من أكثر أسباب استمرارية اللغة الآرامية هو ارتباطها بالكتاب المقدس، حيث بدأت مع بداية الحضارة الآرامية المعروف نشأتها في وسط سورية مرتبطة إلى حد كبير بلغة السيد “المسيح” عليه السلام، بحسب عدد كبير من مؤرخي التاريخ المسيحي.
وتستخدم اللغة الآرامية حتى الآن في الكثير من الكنائس الموجودة في “سورية وإيران وتركيا”، حيث انتقلت لهجاتها المختلفة إلى الكثير من دول العالم مع هجرة الناطقين بها.
وعرفت اللهجات الآرامية بأسماء مختلفة منها آرامية الكتاب المقدس وآرامية التلمود، وتم اكتشافها من خلال بعض النقوش التاريخية القديمة التي ترجع إلى سنة 800 قبل الميلاد.
وبدأت اللغة الآرامية في بلاد “سورية والعراق أو بلاد آشور”، وظهرت بعض لهجاتها مكتوبة على بعض المخطوطات من ورق البردي في الحضارة المصرية التي تعود إلى 500 قبل الميلاد.
ومن أنواع اللغة الآرامية: لغة آرامية التلمود المعروفة في اللهجات اليهودية، واللهجة السريانية المعروفة بقوة الآن في الكثير من الكنائس المسيحية خاصة في بلاد “سورية والعراق وإيران”، حيث تم تقسيم اللغة الآرامية إلى قسمين: الآرامية الشرقية التي عرفت في بلاد الشرق، ناهيك عن أنها تقسم إلى الآرامية البابلية أو ما تعرف بآرامية التلمود اليهودي وكانت معروفة بقوة من القرنين السابع والتاسع الميلادي.
ومنها أيضا السريانية وهي لغة السريان أو الآشوريين، ومع انتشار العديد من اللغات خاصة اللغة العربية مع الفتح الإسلامي بدأت اللغة الآرامية السريانية في الاندحار حتى أصبحت لغة الطقوس والصلاة في الكنائس المسيحية فقط.
وأيضاً الآرامية الغربية: وهي اللغة الآرامية التي عرفت بقوة في شمال “سورية” وتطوّرت لتصبح لغة تداول رسمية، ولم تندثر مع انتشار اللغة العربية بل استمرت في الاستعمال وظهرت كلغة ثقافية للكثير من المخطوطات والنصوص الأدبية في “الولايات المتحدة وإيطاليا”.
وتنقسم الآرامية العربية إلى الآرامية اليهودية التي ظهرت في فلسطين وتم التعرف عليها في لغة الكتاب المقدس ومن لهجات الآرامية اليهودية آرامية الجليل، ومنها أيضاً الآرامية السامرية التي عرفت أيضا كلغة خاصة بالصلاة لدى السامريين حتى انتشار اللغة العربية.
ومن ضمن المعلومات عن اللغة الآرامية ولهجاتها أنها بدأت كلغة تم اشتقاق الكثير من مفرداتها من اللغات الأخرى مثل اللغة الكنعانية القديمة، حتى أن اللغة الآرامية استمدت طريقة الكتابة الأبجدية، وبعد ذلك تطورت اللغة الآرامية لتصبح لغة مستقلة بذاتها واستحدثت مقاطع كتابية جديدة، بحسب ما نقلت وكالات.

شاهد أيضاً

واشنطن تزعم أنها “قلقة” من “تصاعد العنف في سورية”

شام تايمز – متابعة  زعمت الولايات المتحدة استنكارها لما وصفته بـ “تصاعد العنف والهجمات” في …

اترك تعليقاً