سورية والحرب.. قراءة في التاريخ والحاضر والنتائج

خاص – شام تايمز

د. عامر الربيعي – رئيس مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية العربية الاوربية في باريس

أخذت التحديات التي عانتها سورية منذ 2011 إلى اليوم منحىً تدريجياً إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم، وكانت طبيعة بعض التحديات تاريخية وتأسيسية في الدولة السورية، وبعضاً منها يمتد إلى جذور تاريخية يعود إلى حقبة الاستعمار الفرنسي ودوره على صعيد القومية العربية، وبعضه قام على إثر تداعيات إعلان دولة الكيان الصهيوني 1948، وكانت سورية تحمل عبر تاريخها كل هذه التبعات، وتتجاوزها بقوة تاريخها.
وقطعت سورية 2020 شوطاً في استتباب الأمن، وتمكين الدولة في بسط سيطرتها على معظم الأراضي السورية، الانتخابات الرئاسية التي جرت في ٢٦/٥/٢٠٢١ والتي جاءت نتائجها بفوز “بشار الأسد” لولاية جديدة، يعتبر مرحلة مفصلية، ستكون فيه سورية أكثر قدرة وقوة وثبات أمام الأعداء من أي مرحلة تاريخية أخرى مرت بها.

وبالعودة قليلاً إلى الوراء إلى سنوات الحرب، شهدت الأرض السورية صراعاً وهجوماً عنيفاً من قبل الجماعات الإرهابية المسلحة كانت تنظيمات عديدة، ومسميات لقادة الارهاب قدموا من مسافات بعيدة، كانت كل الأمور مهيأة تحت بند لا مجال للصدفة “تواجد أمريكي في العراق، حراك شعبي في مصر، قواعد أمريكية في الأردن والسعودية وقطر والإمارات”، أما باقي دول الوطن العربي ثورات شعبية تطالب بالتغيير وكانت الفرصة مواتية للإحاطة بسورية ولضخ كل ذلك نحو هدف إعلان التغيير في سورية أيضاً.

ليس من قبيل الصدفة أن يتزامن قيام تنظيم “داعش” الإرهابي مع مرور 100 عام على اتفاقية سايكس بيكو التي وضعت الأطر الجغرافية للدول العربية، بإعلان سقوطها من قبل هذه المجاميع الإرهابية المسلحة من الحدود العراقية السورية، وهي إشارة إلى بدايات لتشكيل إطار جغرافي جديد، وليس صدفة أن يتم تجنيد مسلحين من جنسيات متعددة على ضفتي البلدين، وليس صدفة وحدة الجهات الممولة الداعمة لهذه العصابات المسلحة مع تطلعات الكيان الصهيوني بإقامة دولة “إسرائيل” الكبرى أو التلويح بمشاريع التقسيم، ومشروع التقسيم لسورية إلى أربع دول وإنشاء إقليم كردي أو تدخل المجتمع الدولي ومنظومته الإنسانية كأدوات غير واضحة الهدف، بل وأكثر من ذلك تم تجنيد “الفيس بوك” و”اليوتيوب” والقنوات الإخبارية العربية والأجنبية وهي تضخ صورة مفبركة في استوديوهات مأجورة على أساس أنها توثق بشاعة “النظام السوري” كل ذلك كان جاهزاً.

مبدئياً لا نستطيع أن نبحث في الموضوع السوري من دون التذكير، بالإطار السوري العام الذي كانت تتحرك به خلال الخمسين سنة الماضية والذي قام على مركزية سورية في الصراع العربي الإسرائيلي، حيث تعتبر القضية الفلسطينية وعودة الجولان السوري للوطن الأم من الثوابت لدى أي نظام حاكم في سورية، هذه الرؤية تؤكد عليها سورية دوماً من حيث وحدة الأرض، ووحدة الهدف وأولويات تقوم عليها القومية العربية في إطار الوطن العربي الكبير.
وضعت سورية في موازين قوى عربية وإقليمية من قبل الرئيس السابق حافظ الأسد بين جهتي “سوريا وإيران” أثناء حرب الرئيس العراقي السابق “صدام حسين” ضد إيران وعارضتها سورية.

وأخذت موازين القوى بالنمو شيئاً فشيئاً، وبدأت تشكل قلقاً عند دوائر الاستكبار من أن يكون المحرك للمشرق العربي القادم للقومية العربية، يعبر من سورية، فكان بديلها المذهبية والطائفية جاهزاً.

الرؤية الجديدة التي تضاف إلى الدولة السورية، قيام الرئيس “بشار الأسد” بترسيخ موقع سورية في موازين القوى هذا، وخاصة بعد خروجها من أزمتها وإعلان “بشار الأسد” رئيساً لها حيث رفع من مكانة سورية في ميزان القوى العالمي وجعل حظوظها بأن تكون عنصراً فاعلاً في هذا الميزان الدولي، والسبب يعود إلى تداخل الأطراف الواقفة خلف الأزمة واستطاعة سورية مع حلفائها من الثبات في الميدان، فالإطار العام الذي توجد فيه سورية وتتحرك به هو محور مقاوم لدوائر الاستكبار العالمي ضم إيران والعراق واليمن وفلسطين، ومحور الصين وروسيا وإيران، تكتل سياسي واقتصادي له ثقله العالمي أيضاً وأيّد نتائج الانتخابات، وهم أنفسهم كانوا إلى جانبها في المحافل الدولية وبنفس الوقت انحسار للمحور القديم بين سورية والخليج العربي الذي رفع شعار الطائفية البغيضة بوجه سورية وبوجه محور المقاومة، والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

هناك من يتساءل عن الثقل الذي ستلعبه دول العالم وخاصة فرنسا وأوروبا بشكل عام في سورية في المرحلة القادمة من عهد “بشار الأسد” وخاصة وأنها رمت بثقلها في الأزمة السورية وأخرجت كل أوراقها في هذه الجهة من العالم.

في البدء تعتبر سورية مهمة لفرنسا وذلك يعود إلى عوامل تاريخية وتجارية، وتعليمية كنسية تعود لقرون عديدة، أخذت فرنسا دورها في حماية وتمويل النظام التعليمي الكنسي وحماية الأقليات المسيحية والأرمنية، لكن “فرانسوا هولاند” الرئيس الفرنسي السابق تجاوز هذا الدور، ورمى بثقل فرنسا في الأزمة السورية منذ بداياتها، وطالب بتدخل عسكري لتغيير “النظام”. الإطاحة بالرئيس “بشار الأسد” من جانب ومن الجانب الآخر كانت المجاميع الإرهابية المسلحة استباحت معظم المناطق المسيحية، كما وهدمت كنائسهم، واتخذت من سكانها مادة إعلامية تتناولها وسائل الإعلام العالمي، هذا جانب يوضح سوء تقدير للقوة الكامنة في محور المقاومة وهذا ما فهمته فرنسا التي بقيت متأرجحة بين إشكالية علاقتها مع الدولة السورية و”بشار الأسد” الذي اتحد معه كل السوريين، وخاصة المناطق التي استباحتها الجماعات المسلحة وفجرت كنائسها ومساجدها، والتفوا حوله في وقت تنازل عنهم العالم، وبين أنه أصبح من الواجب فتح علاقات جديدة مع سورية الواعدة وجيل سورية الذي خبر خلال 10المنصرمة كيفية الدفاع عن سورية الموحدة.

أما دولياً، من المؤكد أن تنزعج حكومات بعض الدول الغربية من نتائج فوز “بشار الأسد” في الانتخابات واختصروا الانزعاج بعدة أمور تمس السيادة السورية مثلاً.. “ترشح بشار الأسد لأكثر من ولاية كرئيس لسورية، وانزعجوا من دستور وضعته الحكومة السورية 2012 يضبط وطنية المرشحين وفق معايير ومقاييس لا يحبذها أعداء سورية، من حيث الإقامة في سورية وغيرها، وصعوبة إحداثه تغيير، لأن من دون تغيير يطال هذا الدستور، استحالة المطالبة بالتغيير أصلاً)، وأكد هذا الدستور على سيادة الدولة واستقلالها وملكيتها للثروات العامة والمؤسسات الصحية والتعليمية والبدء بمشاريع التنمية، وإبعاد كل ما من شأنه أن يشجع نظام الخصخصة على حساب الدولة أو الاحتكار وهذا معناه سورية الواعدة أبوابها مغلقة أمام حركة رأس المال الجيوسياسية.

ويأتي امتعاض الغرب من نتائج الانتخابات من مخاوف ذات نطاق قاري أوسع، وهي مخاوف قديمة وعادت اليوم إلى الواجهة وخاصة وأن 10 سنوات المنصرمة التي كان يأمل منها أن تعطي نتيجة سورية من دون بشار الأسد لم يتغير، وجاءت نتائج الانتخابات لتقول للعالم أن هناك رأياً في سورية مؤيد لبشار الأسد ورافض للتقسيم.

الرئيس السوري صاحب مقولة تشبيك البحار الخمسة “البحر المتوسط والبحر الأحمر والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج الفارسي” لديه رؤية تختلف عن رؤية عالم أحادي القطب المولود الشرعي للحلف “الصهيو-إمبريالي”، ففي المشرق العربي والدول الإقليمية المجاورة وخاصة تلك المطلة على البحار الخمسة هناك قوى ثورية موجودة، لعبت جميعها دوراً في تكوين قاعدة تقف بوجه الأطماع “الصهيو إمبريالية” فيه ولمن ستكون الغلبة، من خلال تحرك مشروعين للطاقة، الأول من قطر عام 2009 يمر بالسعودية بالأردن لسورية وتركيا وأوروبا، رفضه الرئيس السوري، (وهنا يتم تفسير دور قطر الحليفة لتركيا في مساعده الإرهابيين المسلحين المنتمين بأغلبيتهم لمدرسة الإخوان المسلمين كما نشط تنظيم الإخوان السوري في هذه الأزمة) والخط الثاني هو الخط الإسلامي يمر من إيران والعراق فسورية إلى البحر المتوسط وهذا ما وافق عليه الرئيس السوري.

بعد احتلال العراق، في 2003، أصبحت قواعد الاشتباك في المشرق العربي تبحث لها عن جغرافيا تتوسع فيها، تدعم سيطرة وتغذي بقاء تفوق الولايات المتحدة كقطب أحادي في العالم، ولأزمات الوطن العربي دور في ذلك، فدخل تنظيم القاعدة لأرض العراق، وتم إنشاء المعسكرات التدريبية في صحراء المناطق الغربية من العراق، تمخض عن ذلك تدريجياً ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، من تداعيات حركة قواعد الاشتباك الأمريكية الخاطئة ومنظومة المفاهيم الهمجية التي تحملها هذه القواعد، أدى إلى بروز قوى دولية “روسيا والصين” تطابقت أجنداتها مع بعض دول المشرق العربي محور المقاومة، في إحداث تغيير عالمي تتعدد فيه الأقطاب الفاعلة في الساحة الدولية، خاصة مشروع الصين المعروف بالحزام والطريق استطاع أن يعقد الاتفاقيات مع معظم الدول التي يمر بها، ونجاح هذا الطريق مرهون بالتخلص من الهيمنة “الصهيوامبريالية” على المشرق العربي.

أما روسيا، فلها من الاتفاقيات الاقتصادية مع أوروبا وخاصة ألمانيا واعتماد هذه القارة على الغاز الروسي بالنسبة كبيرة. فيما إيران هذه القوة المميزة والقطب الذي استطاع أن يوحد رؤى عالم متعدد الأقطاب، هو من قاتل ببسالة في سورية مع باقي قوى محور المقاومة، وهو من أوصل مفهوم الإرهاب كما يراه هذا المحور إلى المجتمع الدولي.

إذاً بوضع موقع سورية في موازين القوى الجديد إلى جانب إيران والصين وروسيا، لم يعد أمام أوروبا وأمريكا الا البحث عن طرق جديدة للانخراط في علاقات جديدة مع الدولة السورية، أو الإبقاء على نظام العقوبات الاقتصادية أو استخدام الملف الكردي على الرغم من هزالته كورقة ضغط ضد سورية.

المؤشرات التي على أساسها كونت قواعد الاشتباك الحالية وآخرها انتصار غزة الأخير، أسقط العديد من ركائز الحلف “الصهيوامبريالي” في الشرق الأوسط والعالم، فلم يعد أمام محور المقاومة من أنه هو من يضع قواعد الاشتباك في أي صراع قادم.
ولنسجل خلاصة أن المحاور التي اكتسبتها سورية من عبورها لهذه الأزمة، على الرغم من قسوتها.
– نظافة تجربة الدولة السورية من حيث سيادتها واستقلاليتها، وتحررها من تبعات الاستعمار.
– المرحلة المقبلة هي التراكم الإيجابي التنموي لهذه التجربة مستنداً على شعب مؤمن بها.

شاهد أيضاً

تطمينات أميركية متكررة لـ”قسد” والأخيرة تتخوف من مصير مشابه لحكومة أفغانستان

شام تايمز – متابعة زعم ما يسمى “مجلس سوريا الديمقراطية – مسد” أن مسؤولين في …

اترك تعليقاً