ماذا بعد الاغتيال؟

بقلم د. حسن أحمد حسن

بعد مرور أكثر من عشرة أيام على اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة، ومتابعة الكثير من الأخبار والمقالات والتحليلات والنقاشات والدراسات التي تناولت الموضوع باهتمام كبير يمكن القول: إن الاغتيال بحد ذاته يتجاوز دلالات الفعل المباشر، كما يتجاوز بآثاره وتداعياته ما قد يخطر على الذهن من فعل إجرامي، ورد فعل مشروع، فالخسارة الإيرانية لا تقتصر على غياب “أب البرنامج النووي الإيراني”، بل قد تشهد الأيام القريبة القادمة توترات خطيرة يسعى الجميع للملمة ما قد ينتج عنها قبل الوصول إليها.

وقد يشكل الفعل الجرمي المرتكب، والرد الإيراني المرتقب مقدمة لتبدُّلات جوهرية في معادلات الاشتباك المزمن الذي يحكم دول المنطقة، وما أفرزه من اصطفافات لم تعد قادرة على البقاء كما كانت طالما أن بوتقة التفاعلات غدت مفتوحة على المجهول لدى جميع القوى الفاعلة على الساحتين الإقليمية والدولية، ولهذا يجب الوقوف عند تفاصيل ما حدث وملابساته وتداعياته بإحساس عالٍ بالمسؤولية بعيداً عن العواطف الشخصية والقناعات المسبقة، وبعيداً عن الرغبات والأمنيات، أو الاكتفاء بتحميل المسؤولية المباشرة للكيان الصهيوني ومن جندهم لتنفيذ أجندته التدميرية القائمة على إلغاء كل من يخرج على الإرادة الصهيو ــ أميركية، وإلقاء المسؤولية على الآخرين في أية تداعيات محتملة.

التعاطي الإعلامي مع جريمة الاغتيال:
ما يزال اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة أحد أهم العناوين الرئيسة التي تشغل وسائل الإعلام الصديقة والمعادية بعد أن فتحت الأبواب على مروحة واسعة من التداعيات المتوقعة، وقد سبق أن تم اغتيال العديد من العلماء الإيرانيين والسوريين والعراقيين وغيرهم، ومر الحدث كغيره، لكن عملية الاغتيال هذه خرجت عن الاهتمام المعتاد، واستأثرت باهتمام غير مسبوق، ويمكن للباحث الجاد المتابع لما صدر من دراسات وتحليلات ووجهات نظر وآراء ونقاشات أن يرصد ثلاثة اتجاهات أساسية

للتعامل مع الحدث:
أولاً ــ الاتجاه المعادي: وهو بشكل عام يفتقر إلى العملية، ويهول من النتائج المحتملة، ويحمل بصمة الحرب النفسية التي تستهدف استكمال الجريمة بتعميم الخوف والقنوط واليأس من جهة، وبتسويق الكيان الصهيوني وقدرة الموساد على فعل كل ما يتم التخطيط له والوصول إلى كل الأهداف التي يتم اعتمادها بيسر وسهولة، ويمكن تصنيف بعض ما نشر ضمن هذا الاتجاه تحت عنوان” الحرب على الوعي الفردي والجماعي” ليس ضد إيران فقط، بل ضد محور المقاومة، وكل من لا يذعن للمشيئة الصهيو ـ أمريكية، وقد تم تداول بعض هذه الدراسات بكثافة حتى عن طريق جمهور المقاومة، أو عبر منصات إعلامية تحمل هوية المقاومة، فالتركيز على نشر لوائح بأسماء من اغتالهم الموساد الإسرائيلي قد يكون مفيداً عندما يكون الخطاب موجهاً لمنصات رسمية في المنظمة الدولية، أو عندما يكون موجهاً للمجتمعات في الدول الداعمة للكيان الصهيوني لإثبات التهمة عليه، وفضحه على حقيقته الإجرامية، لكن عندما يتم تعميم ذلك وبشكل مكثف في أوساط جمهور المقاومة المقتنع سلفاً بأن ذاك الكيان مجرم وخارج على الشرعية الدولية، فمن الطبيعي أن يؤدي ــ بحيث نقصد أو لا نقصد ــ إلى

نتيجتين غير مستحبتين، وهما:
1- زرع الإحباط واليأس لدى جمهور المقاومة، والتشكيك بكفاءة الأجهزة المختصة لدى أطراف محور المقاومة، وإعطاء معارضات الداخل منصة متقدمة لمهاجمة الحكومات القائمة واتهامها بالتقصير، أو بالسذاجة والغباء.
2- خلق ردة فعل عفوية لدى بقية العلماء والشخصيات الرسمية المعروفة بمواقفها الحادة وسقوفها العالية من الحلف الصهيو ـ أمريكي ودفعها للتفكير بأنها قد تكون أهدافاً قادمة سهلة المنال، وبالتالي خلق شعور ضمني بالخوف الذي يؤثر على درجة عطائها، وتنفيذها للمهام المسندة إليها حفاظاً على الحياة التي لم تستطع حكوماتها حمايتها.

إضافة إلى ما ذكر، فقد غلب التهويل بالمجهول القادم على ما نشر ضمن الاتجاه المعادي، وتم تسويق صورة مشغول عليها بخبث ودهاء، بحيث توحي بأن الحرب التقليدية على إيران ومحور المقاومة قادمة وبشكل كارثي، وكأن محور المقاومة مجرد حمل وديع لا حول له ولا قوة على مواجهة ما يتم التخطيط له في الغرف المظلمة، وما الحديث عن تحرك البوارج الأمريكية وقدوم القاذفات / B 52/ والاجتماعات التي ضمت المسؤولين الأمريكيين والصهاينة مع أتباعهم من الأنظمة القائمة في الخليج وغيره إلا ضمن هذا الجانب من الحرب النفسية الممنهجة والمعمول عليها بحرفية عالية لا يجوز تجاهلها.

ومن حق المتابع المهتم أن يتساءل: هل تفتقر واشنطن وحلفها إلى المزيد من وسائل القتل والفتك والإبادة رغم الترسانة المكدسة لديها في القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة؟ وإذا كانت الذريعة أن القادم ضبابي الهوية، وإحضار القاذفات/ الاستراتيجية/ B 52/ لإيصال الرسالة بوضوح بأن الدمار الكبير ينتظر إيران وبقية أقطاب محور المقاومة، فالرد الطبيعي يتضمن التساؤل المشروع: ألا تستطيع واشنطن إمطار إيران وغيرها بالصواريخ العابرة للقارات والأكثر طاقة تدميرية من مسافات بعيدة متى اتخذ القرار بالحرب؟.. باختصار كل ذلك جزء من حرب نفسية مفضوحة الأهداف والغايات.
ثانياً ــ الاتجاه المتضامن مع إيران “المتفائل”: وكان في غالبية ما نشره من دراسات وتحليلات بعيداً عن العلمية بعض الشيء، حيث تم التقليل من أهمية الاختراق الأمني الذي ظهر بحجة أنه لا يوجد في الكون دولة تستطيع الادعاء بأنها محصنة 100% من أي اختراق أمني، وهذا الكلام وإن كان صحيحاً لكنه لا يلغي قط سلبية الثغرات الأمنية التي مكَّنَتْ المنفذين من فعلتهم، وتعالي الأصوات الداعية للرد الإيراني الفوري والحاسم والمزلزل، وتصوير إيران كقوة عالمية عظمى، وأن الصواريخ الإيرانية ستدك حيفا وتل أبيب، وكأن الكيان الصهيوني يقف وحيداً في مواجهة محور المقاومة، وقد يكون بعض تلك الأصوات مأجورٌ، ويستهدف استفزاز الشارع الإيراني وجمهور المقاومة كمن ينفخ في النار تحت الرماد، وبطبيعة الحال عندما يتم التهويل بأمرٍ ما، ولا يقترن ما تم ترويجه بفعل على الأرض فالنتيجة تخدم الحرب النفسية المعادية بشكل أو بآخر، وهذا ما يجب الانتباه إليه، وتصحيح البوصلة لدى أنصار محور المقاومة.

ثالثاً ــ الاتجاه الموضوعي: الذي وصَّف ما حدث على حقيقته التي تمثل خرقاً أمنياً نال بشكل أو بآخر من هيبة الدولة الإيرانية التي أعلنت تصميمها على الرد وفق ما تراه مناسباً، فهي الوحيدة القادرة على الموازنة بين الخيارات المتاحة واتخذا القرار الأنسب وفق مفرزات الواقع الضبابي المتشكل بعد الانتخابات الأمريكية، انطلاقاً من أن بعض الرؤوس الحامية تسعى بكل ما تملك لدفع إيران إلى رد فعل غير محسوب ليتم اعتماده رافعة نحو خلط الأوراق، والتنفيس عما يشهده الداخل الأمريكي والإسرائيلي من احتقانات غير مسبوقة، ومن المسلم به أن اللعب في مثل هذه الظروف الحساسة بالتوازنات القائمة لا تستطيع إيران ولا أعداؤها تحمل مسؤولية نتائجه إن حدثت المواجهة المفتوحة والشاملة، ولا يوجد أي طرف يستطيع ادعاء القدرة على التحكم بتطور الأحداث وتداعياتها، وهذا يقود إلى ضرورة التعامل مع الجريمة بما يتناسب شكلاً ومضموناً وأهمية، أي أن يكون الرد من نفس مستوى الجريمة ضمن إطار العمليات الأمنية، فالتكاليف المباشرة لأية حرب أمنية أقل بكثير من الانجرار إلى حرب شاملة، فضلاً عن أن الرد المدروس والمتزن وغير المتسرع يحرم واشنطن وتل أبيب من ركوب الموجة، بغض النظر عن أن الإدارة الأمريكية القادمة لن تكون أقل انحيازاً للكيان الصهيوني.

وقفة مع الحدث ودلالاته:
الخسارة الإيرانية باغتيال العالم محسن خيري زادة كبيرة، لكن الحياة لن تتوقف، والمجال العلمي والتكنولوجي الذي كان يشرف عليه لن تُقْطَعَ طريقه، فالكوادر العلمية الإيرانية مؤهلة لاستكمال الطريق، وهنا يمكن

التوقف عند مجموعة من النقاط، ومنها:
• الرواية الرسمية الإيرانية ما تزال بحاجة إلى بعض الأدلة الملموسة التي تدعم صحتها، فاتهام “إسرائيل” ـ وإن كان اتهاماً مشروعاً ـ إلا أنه بالمنطق العلمي والقانوني لا يكفي، وما تم تداوله عن ورود اسم المرحوم زادة على لسان نتنياهو عام 2018 يمكن احتسابه في أفضل الأحوال قرينة وليس دليلاً، وكذلك كل ما تم تداوله منسوباً إلى هذا المسؤول الأمريكي أو الإسرائيلي يمكن توصيفه بأنه تسريبات إعلامية يمكن التنصل منها بيسر وسهولة، ومن المهم تقديم أدلة لا تقبل التشكيك قبل الإقدام على أي رد عملي، ولاسيما بعد أن تم الإعلان عن إلقاء القبض على بعض المتورطين بالجريمة، وبعد نشر تصريحات لنجل الشهيد زادة عن بعض التفاصيل في جريمة الاغتيال، وبغير ذلك لن تعدم حكومة نتنياهو تسويق كيانها كضحية لعدوان إيراني على “دولة” مستقلة ذات سيادة وفق منطق القانون الدولي، والعزف على وتر حقها ب: “الدفاع عن النفس”، والرد بكل الوسائل الممكنة.
• عملية الاغتيال خلَّفت أضراراً لا يستهان بها بسمعة الأمن الإيراني وهيبة الدولة الإيرانية، ومن المهم التركيز على معرفة أدق التفاصيل، وسد الثغرات الفعلية التي يتم اكتشافها بأسرع ما يمكن، كيلا يتكرر ما حدث من جديد في إيران أو لدى بقية أقطاب المقاومة، ويجد المتابع الحريص على هيبة محور المقاومة نفسه أمام سؤال خطير يتطلب تقديم إجابة موضوعية ومقنعة عليه، وهو: “ماذا لو تكررت بعد أيام عملية الاغتيال لشخصيات أخرى من نفس المستوى أو أعلى من الشهيد في إيران أو سورية أو لبنان؟

• قد تكون القيادة الإيرانية في وضع لا تُحْسَد عليه، فأي قرار يُعْتَمَد سيكون مستنداً إلى الخيارات المتاحة، وجميع الخيارات الممكنة تتضمن جوانب سلبية وأخرى إيجابية، والمقارنة فيما بينها ضمن ثنائية “التكلفة والمردودية” ليس عملية يسيرة، بل تتضمن تحمل مسؤولية اتخاذ القرار في ظروف معقدة ومتشابكة، ويختلط بها الداخلي بالإقليمي والدولي في بيئة توحي بأن أصدقاء محور المقاومة في الحرب على الإرهاب قد يكون لديهم حساباتهم الخاصة عندما يكون العنوان: المواجهة المفتوحة بين مشروعين: المشروع الصهيو ـ أمريكي والمشروع المقاوم.

• الرد الآني الإيراني المتسرع وغير المدروس بدقة يعني السير وفق ما يريده العدو، وعدم الرد يعني الخنوع والمزيد من التآكل في هيبة الدولة الإيرانية ومحور المقاومة، ومن المهم التفكير جدياً بسحب هذه الثنائية الإلزامية التي تتضمن خيارين متناقضين، فدائماً هناك خيار ثالث يمكن هندسته واعتماده بما يتناسب مع مصالح محور المقاومة، فيكون الرد المؤلم المدروس والقريب فور تبلور المعطيات المطلوبة، وهناك خيارات متعددة للرد، وقد يكون الداخل الصهيوني المعادي هو الميدان الأنسب والأفضل لرد إيراني من جنس الجريمة أي رد أمني وبطريقة غير مباشرة، والأشقاء الإيرانيون هم الأدرى بمدى استعداد فصائل المقاومة الفلسطينية التي تدعمها إيران، وما هي حدود قدرتها لتنفيذ عملية نوعية تؤلم حكام تل أبيب أكثر مما قد يخطر على الذهن.

• الموقف التصعيدي للبرلمان الإيراني وموافقته على رفع نسبة التخصيب إلى 20%، وتحديد مهلة ثلاثة أشهر للحكومة الإيرانية لوضع وكالة الطاقة الذرية أمام مسؤولياتها، فإما أن تلتزم بما تعهدت به، أو لا يسمح لها باستمرار المراقبة والمتابعة لأن العديد من عناصرها جواسيس، وقد تلا هذا السقف المرفوع تصريحات للسيد الرئيس روحاني أوحت بتخفيف وطأة القرار المتخذ من البرلمان، ومن المهم فهم ذلك على أنه لا يعني تناقضاً في المواقف الإيرانية، بقدر ما يعني تقديم أكثر من خيار رسمي إيراني لإفهام العدو أنه كما في الإدارة الأمريكية أو غيرها عدة مؤسسات ومفاصل رئيسة ضمن دورة اتخاذ القرار، كذلك الأمر بالنسبة لإيران، وهي لديها كما لدى الآخرين صقور وحمائم، وقد يكون بعض الصقور يتمنى أن يستمر أصحاب الرؤوس الحامية المعادية بركوب الرأس والذهاب إلى أبعد مما يبدو للعين المجردة, وقد يكون بعض تلك الصقور أيضاً ينتظر بفارغ الصبر أية حماقة إسرائيلية أو أمريكية.

• تصريحات قادة المقاومة أكدت منذ زمن ليس ببعيد أنه مضى زمن” اضرب واهرب” فمن يضرب سَيُعَاْقَب على فعلته، وهذا يعني ضرورة وضع حد للفجور الإسرائيلي، وإذا كان المطلوب عدم إغلاق الأبواب في وجه الإدارة الأمريكية الجديدة، فطريقة الرد والتعامل مع الجريمة هي التي تلزم الإدارة القادمة على إعادة النظر في القرارات التي اتخذها ترامب، أو الذهاب باتجاه آخر يستكمل سياسة إدارة ترامب في جوهرها، لكن بمسميات جديدة، وإذا كان الرد الأولي على اغتيال الشهيد قاسم سليماني بقصف قاعدة عين الأسد لأن الأمريكي اعترف بجريمته وتباهى بها، فالأمر ليس كذلك مع اغتيال الشهيد محسن فخري زادة، لأن المجرم يتنصل مما اقترفته يداه الآثمتان، وهذا يعني التعامل مع الجريمة بعقل بارد وتصميم على الرد من دون أن يؤدي ذلك إلى إشعال المنطقة، فاتخاذ قرار الذهاب إلى الحرب على أرض الواقع يختلف عما هو عليه لدى أبطال الفيسبوك والسوشيال ميديا الذين يتحولون بين لحظة وأخرى إلى قادة استراتيجيين يقررون مصير المنطقة والعالم، ويخططون وينفذون ويخوضون الأعمال القتالية ويحرزون البطولات الخارقة على شاشة الهاتف الجوال أو الحاسوب، وهم في فراشهم أو عالمهم الافتراضي الذي يفصلونه حسب المقاسات المناسبة لدوافعهم الذاتية.

استنتاجات:
هناك الكثير مما يمكن استخلاصه مما حدث، لكن وبعد الاطلاع على مئات المواد والمقالات والدراسات والسجالات المنشورة عن الموضوع، ولكل منها خلفيته الذاتية المؤيدة أو المناوئة يمكن باختصار التوقف عند بعض الاستنتاجات، ومنها:

1- كل المؤشرات الموضوعية والمحاكمات المنطقية تشير إلى أن الكيان الصهيوني وراء الاغتيال سواء اعترف أم لم يعترف، ويستبعد في مثل هذه الظروف المعقدة والمتشابكة أن يقدم الموساد على ذلك إلا بضوء أخضر من ترامب أو بعض مفاصل إدارته.

2- عدم اعتراف الكيان الصهيوني بالجريمة يضيق من خيارات الرد الإيراني، ويلزم الجمهورية الإيرانية بالعمل المسؤول لإيجاد البدائل التي تضمن الرد الحتمي والمؤلم، وفي الوقت نفسه عدم خرق القانون الدولي، أو اتخاذ مواقف تساعد حكام تل أبيب على الاستمرار بدور الجلاد، وتسويق الذات بدور الضحية الحريصة على الأمن والاستقرار.

3- لا يستطيع أي جهاز استخبارات أجنبية مهما بلغت إمكانياته تنفيذ العملية إلا بوجود متواطئين ومتعاونين من الداخل الإيراني، ومهما كانت نسبة العمالة لا يمكن لمثل هذه العملية أن تنجح إلا بوجود ثغرات أمنية لا أحد يستطيع تحديدها بدقة إلا صاحب العلاقة، وعلى ضوء ذلك تكون الخطوة التالية.

4- الموساد وأجهزة الاستخبارات الأمريكية لا يقدمون على مثل هذه الجريمة إلا بعد أن يضعوا في حساباتهم مختلف السيناريوهات المحتملة بما فيها التصعيد الإيراني غير المحسوب، وهذا يعني أنهم وضعوا بالحسبان سيناريو اشتعال المنطقة واتخذوا الإجراءات اللازمة للتعامل مع التداعيات إذا ذهبت بذاك المنحى.

5- لو أن إدارة ترامب وحكومة نتنياهو” الحكومة العميقة” مقتنعة بالقدرة على حسم الأمور عسكرياً وفق ما تريد لما ترددت لحظة واحدة في إشعال فتيل الحرب المباشرة ضد إيران وسورية وبقية أقطاب المقاومة، وهم لا يحتاجون إلى سبب أو ذريعة للبدء بذلك، وبالتالي إذا كان قرار بدء العدوان العسكري متخذاً، فهم لن ينتظروا الرد الإيراني للانطلاق نحو الحرب الشاملة، لكن حساباتهم تشير إلى عدم ضمان تحقيق الأهداف، وفقدان القدرة على تحمل التكاليف بغض النظر عن كل ما يمتلكونه من طاقة تدميرية.

6- حرب لبنان 2006 بدأت قبل الوقت الذي كان مخططاً لها بحوالي شهرين، بعد قيام حزب الله بأسر جنديين إسرائيليين، وهذا ما دفع الكيان الصهيوني للبدء بالحرب قبل اكتمال التحضيرات والإعدادات اللازمة، وكان هذا أحد الأسباب الجوهرية لانتصار المقاومة بتوفيق إلهي، وبالمحاكمة العقلية المنطقية لا يوجد ما يحول دون تكرار ذلك، فيما لو جاء الرد الإيراني مؤلماً أكثر مما تستطيع” تل أبيب” تحمله.

7- ما يتم تسويقه عبر وسائل الإعلام الأمريكية أو الإسرائيلية من توقعات للرد الإيراني وتقديم عناوين كاحتمالات مرجحة للرد الإيراني: قبل تاريخ ذكرى استشهاد الجنرال قاسم سليماني، أو في الساعات الأخيرة من ولاية ترامب، أو استهداف منصات الغاز في البحر وما شابه ذلك يمكن فهمه بمنطقين، فإما أنه بالونات اختبار لتوريط إيران ودفعها باتجاه ما خططوا له مسبقاً لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة، بحيث تكون ضمن إمكانية تحمل الخسائر، أو أنه يأتي في سياق الإيحاء غير المباشر بالأهداف التي يمكن لإيران أن تستهدفها من دون أن يتطلب ذلك تصعيداً غير مضبوط التداعيات، وبالتالي هي رسالة بخطوط حمراء عن استهداف غير ما تم ذكره.

8- القوة العسكرية التقليدية لدى المحور المعادي في ذروتها، وهم ليسوا بحاجة إلى المزيد من أدوات القتل والتدمير، وبالتالي مرور الوقت لن يزيدهم قوة، في حين أن الوضع على عكس ذلك لدى محور المقاومة، أي أن العدو لا يستطيع المراهنة على الزمن بالاعتماد على الحصار والعقوبات، فالرهان على الزمن رغم كل شيء هو لصالح محور المقاومة، وهذا يُبْنَى عليه الكثير.

9- العودة إلى الغموض النووي، قد يخدم طهران في هذه المرحلة بالذات عبر تخفيض التعاون مع وكالة الطاقة الذرية إلى أن يرضخ الأمريكي، ويعود للالتزام بالاتفاق النووي الذي مزقه ترامب، وهذا الأمر مستبعد موضوعياً، وبالتالي من الطبيعي أن يبقى حاضراً على طاولة التشريح والتحليل موضوع البرنامج الصاروخي الإيراني، فهو مستهدف كالبرنامج النووي، وقسم كبير من التصعيد والضغوط والعقوبات غايتها إرغام إيران وبقية أقطاب محور المقاومة على التخلي عما لديهم مما يؤلم تل أبيب ومن يساندها، ومجرد التفكير بإمكانية حدوث ذلك ضربٌ من الجنون.

*- باحث متخصص بالجيوبولتيك والدراسات الاستراتيجية

dr.hasanhasan2012@gmail.com

شاهد أيضاً

وزير تركي سابق يحذر من التدخل في الخلاف بين روسيا وأوكرانيا

شام تايمز – متابعة شدد وزير الخارجية التركي الأسبق، “ياشار ياكيش”، على عدم اقحام “أنقرة” …

اترك تعليقاً